ابن تيمية
62
مجموعة الفتاوى
وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ مِن النَّمَاءِ لَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَلَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَلَا فِي الْمُزَارَعَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْعَدْلِ . إذْ قَدْ يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ وَالْآخَرُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ . وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا " أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ " أَوْ " عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ " أَوْ " عَنْ الْمُزَارَعَةِ " كَحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِ . فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ مُفَسَّراً بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَلَيْهَا بِزَرْعِ بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن الأَرْضِ لِلْمَالِكِ . وَلِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ إذَا نَظَرَ فِيهِ ذُو عِلْمٍ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ . فَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ فَجَائِزَةٌ بِلَا رَيْبٍ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِن المَالِكِ أَوْ الْعَامِلِ أَوْ مِنْهُمَا وَسَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْمُزَارَعَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ دَابَّتَهُ أَوْ سَفِينَتَهُ إلَى مَنْ يَكْتَسِبُ عَلَيْهَا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَوْ مَنْ يَدْفَعُ مَاشِيَتَهُ أَوْ نَخْلَهُ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا وَالصُّوفُ وَاللَّبَنُ وَالْوَلَدُ وَالْعَسَلُ بَيْنَهُمَا . فَإِذَا عُرِفَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَمَنْ قَالَ مِن العُلَمَاءِ : إنَّ